عبد الرحمن السهيلي

62

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

فرّت يهود يوم ذلك في الوغا * تحت العجاج غمائم الأبصار وهو بيت مشكل غير أن في بعض النسخ ، وهي قليلة عن ابن هشام أنه قال : فرت فتحت ، من قولك : فررت الدابة ، إذا فتحت فاها . وغمائم الأبصار ، هي مفعول فرت ، وهي جفون أعينهم ، هذا قول ، وقد يصح أن يكون فرت من الفرار ، وغمائمك الأبصار من صفة العجاج ، وهو الغبار ونصبه على الحال من العجاج ، وإن كان لفظه لفظ المعرفة عند من ليس بشاذ في النحو . ولا ماهر في العربية ، وأما عند أهل التحقيق ، فهو نكرة ، لأنه لم يرد الغمائم حقيقةً وإنما أراد مثل الغمائم ، فهو مثل قول امرئ القيس : * بمنجردٍ قيد الأوابد هيكل * فقيدها هنا نكرة ، لأنه أراد مثل القيد ، ولذلك نعت به منجرداً ، أو جعله في معنى مقيد ، وكذلك قول عبدة بن الطيب : * تحيّة من غادرته غرض الرّدى * فغضب غرضاً على الحال : وأصح الأقوال في قوله سبحانه : « زَهْرَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا » طه أنه حال من المضمر المخفوض ، لأنه أراد التشبيه بالزهرة من النبات ، ومن هذا النحو قولهم : جاء القوم الجماء الغفير انتصب على الحال ، وفيه الألف واللام ، وهو من باب ما قدمناه من التشبيه ، وذلك أن الجماء هي بيضة الحديد تعرف بالجماء والصلعاء ، فإذا جعل معها المغفر ، فهي غفير ، فإذا قلت : جاءوا الجماء الغفير ، فإنما أردت العموم والإحاطة بجميعهم ، أي : جاءوا جيئةً تشملهم وتستوعبهم ، كما تحيط البيضة الغفير بالرأس ، فلما قصدوا معنى التشبيه دخل الكلام الكثير كما تقدم ، وكذلك قولهم : تفرقوا أيدي سبا ، وأيادي سبا ، أي : مثل أيدي سبا ، فحسنت فيه الحال لذلك ، والذي قلناه في معنى الجماء الغفير رواه أبو حاتم عن أبي عبيدة ، وكان علامة بكلام العرب ، ولم يقع سيبويه على هذا الغرض في معنى الجماء ، فجعلها كلمةً شاذة عن القياس ، واعتقد فيها التعريف وقرنها بباب وحده ، وفي باب وحده أسرار قد أمليناها في غير هذا الكتاب ، ومسألة وحده تختص بباب وحده ، وهذا الذي ذكرنا من التنكير بسبب التشبيه ، إنما يكون إذا شبهت الأول باسم مضاف ، وكان التشبيه بصفة متعدية إلى المضاف إليه ، كقوله : قيد الأوابد ، أي : مقيد الأوابد ، ولو قلت : مررت بامرأة القمر على التشبيه لم يجز ، لأن الصفة التي وقع بها التشبيه غير متعدية إلى القمر ، فهذا شرط في هذه المسألة ، ومما يحسن فيه التنكير وهو مضاف إلى معرفة اتفاق اللفظين كقوله : له صوت صوت الحمار وزئير زئير الأسد ، فإن قلت : فما بال الجماء الغفير ، جاز فيها الحال ، وليست بمضافة ؟ قلنا : لم تقل العرب جاء القوم البيضة ، فيكون مثل ما قدمناه من قولك : مررت بهذا القمر ، وإنما قالوا : الجماء الغفير بالصفة الجامعة بينها ، وبين ما هي حال منه ، وتلك الصفة الجمم ، وهو الاستواء والغفر ، وهي التغطية فمعنى الكلام : جاءوا جيئةً مستويةً لم ، موعبة لجميعهم ، فقوي معنى التشبيه بهذا الوصف ، فدخل التنكير لذلك ، وحسن النصب على الحال وهي حال من المجيء . حديث الشاة المسمومة : فصل : وذكر حديث الشاة المسمومة ، وأكل بشر بن البراء منها ، وفيه : أن الذراع كانت تعجبه ، لأنها هادي الشاة ، وأبعدها من الأذى ، فلذلك جاء مفسراً في هذا اللفظ . فأما المرأة التي سمته ، فقال ابن إسحاق : صفح عنها ، وقد روى أبو داود أنه قتلها ، ووقع في كتاب شرف المصطفى ، أنه قتلها وصلبها ، وهي زينب بنت الحارث بن سلام ، وقال أبو داود : وهي أخت مرحب اليهودي ، وروى أيضاً مثل ذلك ابن إسحاق . ووجه الجمع بين الروايتين أنه عليه السلام صفح عنها ، أول لأنه كان صلى الله عليه وسلم لا ينتقم لنفسه ، فلما مات بشر بن البراء من تلك الأكلة ، قتلها ، وذلك أن بشراً لم يزل معتلاً من تلك الأكلة حتى